محمد متولي الشعراوي
3212
تفسير الشعراوى
النبوة . إذن فقد تعرض المؤمنون على زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم للهزة في العقيدة بحكاية ذي الخمار أو ذي الحمار . وكانت قصة ذي الخمار كالمصل الواقى الذي يربى المناعة ، وأخبرهم اللّه بها أولا : « مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . وذلك ليعطى الحق سبحانه وتعالى المؤمنين مناعة إيمانية وكأنه يقول للمؤمنين : لا تظنوا أنكم لن تتعرضوا إلى هزات عقدية دينية بل ستتعرضون . وكأن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : قد يجوز أن يفهم الناس أنى وأنا حي أقوم على منهج اللّه في الأرض فإذا أنا مت ربما ارتدوا عن الدين . ورسول اللّه عندما يبلغ ذلك للمؤمنين عن اللّه - سبحانه - إنما كان ذلك بقصد تربية المناعة . فلو فوجىء المسلمون بالردة ولم يكن اللّه قد خبرهم بها لما كان عندهم احتياط مناعى . والاحتياط المناعى هو أول عملية في الوقاية . ونعلم أن العلم المعاصر استطاع فصل الميكروب أو الفيروس المسبب لمرض وبائى ، ويقوم العلماء بإضعاف هذا الميكروب أو الفيروس ، ثم يوضع قليل من هذا الميكروب أو الفيروس بعد إضعافه في الجسم البشرى ، فتتحرك في الجسم أجهزة الوقاية والحماية لتقاتل هذا الميكروب أو الفيروس وتنتصر عليه ، وبذلك تمتلك قوى الوقاية والحماية داخل الجسم القدرة على مقاومة هذا المرض ، وهكذا أراد الحق بهذا القول الكريم : « مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . إذن فحين يوجد الارتداد ، لا يفاجأ المسلمون بهذا الارتداد ، ويثقون تماما أنه بمجرد مجىء الارتداد فإن وعد اللّه الآخر يجئ : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » فلا فزع عند المؤمنين ساعة يحدث الارتداد ولا زلزلة في النفوس . وساعة يأتي الارتداد يقول المؤمن : إن الذي صدق في أنه يحدث الارتداد ، سيصدق في قوله : « فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » . وإذا رأيت « السين » تسبق قولا فإن هذا يعنى أن الزمن الذي يفصل بين الحدث والحدث قريب وقليل مثل قوله الحق : سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ( من الآية 142 سورة البقرة )